مكتبة شاملة

هناك موضيع مختلفة وشاملة
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  اليوميةاليومية  مكتبة الصورمكتبة الصور  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  دخولدخول  

شاطر | 
 

 4. العقل واللاعقل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
fouad
عضو نشيط
عضو نشيط


عدد الرسائل : 118
تاريخ التسجيل : 23/05/2007

مُساهمةموضوع: 4. العقل واللاعقل   الخميس مايو 31, 2007 7:56 am

إذا كان الإنسان يعرف في الغالب بأنه "حيوان عاقل"، إلا أن بعض سلوكاته وانفعالاته لا توحي بالضرورة أن العقل يمتاز عنده بصفة الإطلاقية ؛ فقد يطغى طابعه الوجداني في بعض الحالات على طبعه العقلي. ولعل هذا ما قد يفسر الصراع الفكري الذي عرفته الفلسفة حول طبيعة الإنسان. فقد حاول ديكارت منذ القرن السابع عشر (17) أن يبرز أن الخصوصية المميزة الإنسان هي العقل. ومع الانتصارات التي حققها العقل في المجال العلمي سيرفع فلاسفة الأنوار شعار العقل وسيعملون جاهدين على تعميمه في السياسة والأخلاق والحياة الاجتماعية، ومن ثمة سينادي هذا الصنف من المفكرين بضرورة خضوع الحياة الوجدانية للإنسان إلى العقل. وفي مقابل ذلك، سيظهر تيار فكري ينادي باللاعقل باعتبار الإنسان كائنا عاطفيا ووجدانيا بالدرجة الأولى كالسوريالية Surréalisme والرومانسية والوجودية فيقول كيركجارد Kierkegaard مثلا (معارضا ديكارت) "أنا أفكر إذن أنا غير موجود". ويفيد ذلك أن الحياة ممارسة فردية وجدانية وليست عقلية، فكلما زاد تفكير الإنسان كلما ابتعد عن كينونته.

إن هذا الصراع الفكري هو الذي أدى إلى بروز تيار فلسفي معاصر يدعو إلى التمسك بالعقلانية مع الانفتاح على أمور تتجاوز العقل ؛ ويعد إدغار موران E. Morin من أكبر دعاة الانفتاح على اللاعقل وبالتالي ظهور ما يسميه بالعقل المعقد (أو المركب) يقول إدغار موران : " إن (…) الانتقادات الموجهة إلى العقلانية لازالت قائمة. لكن نقدا جديدا، داخليا، ينبثق من قلب العقلنة ذاتها، حسب هذا النقد المعاصر يدان العقل فقط لا من حيث كونه مفرطا في العقلانية، بل يدان كذلك على أنه غير معقول. إن الأزمة الحديثة للعقلنة هي الكشف عن اللاعقل ضمن العقل."

فهذا هربرت ماركوز H. Marcuse، يبينن كيف يتحول العقل إلى سلطة مفرطة في القمع.حيث يرى هذا الفيلسوف أن العقل يتحول إلى لاعقل إذا أقصى كل حس نقدي. فإذا كان المجتمع يعطي الأولوية للمردودية والإنتاجية، فإن بنية الإنسان الوجدانية تصبح مهددة، حيث يتقابل العقل مع "الإيروس" l'eros ، ويصبح العقل وسيلة لتبرير الهيمنة والاستغلال ويصبح الفرد أداة مستلبة في عملية الإنتاج ؛ فيضطر الإنسان إلى أن يتحايل على العقل ليلبي رغباته الوجدانية.

إلا أن الفيلسوف الألماني كانط يتبنى رأيا مخالفا، فهو يحدد الطبيعة الإنسانية في وجودها العقلي، ويعتقد أن الكسل والجبن هما اللذان يبعدان الإنسان عن طبيعته العقلية، لأنهما عاملين يدفعان بالإنسان إلى قبول الحجر والوصاية. فالعقل يرادف الحرية والمسؤولية والكرامة، وحينما يقبل الإنسان الوصاية، فإنه تنازل عن كل ذلك في سبيل اللاعقل. لكن ألا يمكن أن نقول بأن العكس يمكن أن يحدث فيتحول اللاعقل إلى العقل؟

إن ذلك ما يؤكده نيتشه، لأن هذا الفيلسوف يعتقد أن المعرفة العقلية هي مجموعة من الأخطاء ثبتت منفعتها في معركة الصراع من أجل البقاء. فقد ظلت أخلاق العبيد (الضعفاء) – مثلا – مهيمنة على العقول باعتبارها أخلاقا سامية ونبيلة وهي في الواقع ليست كذلك. كما بين فرويد أن اللاشعور هو الذي يتحكم في سلوكاتنا العقلية. ومن ثمة تصبح حياتنا الشعورية (أو العقلية) مكرسة لتلبية الرغبات المكبوتة في اللاشعور. بل إن سلوكاتنا اللاعقلية كالحلم والمرض النفسي – هي في الحقيقة- سلوكات عقلية، لأننا يمكن أن نكتشف ضمنها عن سيرورات منطقية تقودنا نحو فهم أسباب السلوك النفسي. وفي نفس السياق – تقريبا – يقودنا غرانجيه Granger لأنه يعتقد أن الهوى لا يتقابل مع العقل إلا حينما يبدو كفقدان للسيطرة والتحكم في الذات. ومع ذلك فإن لاعقلانية الهوى لا تعني عدم التماسك، فالأهواء منطقية ومعقولة، لأن الذات تمارس في إطارها تفكيرا ذكيا ومتماسكا موجها لتسخير أهداف انفعالية.

بهذه الصورة – إذن – تسقط الحواجز الفاصلة بين العقل واللاعقل، فالعقل قد يتحول إلى لاعقل والعكس صحيح. هكذا يمكن أن نكشف داخل الإبداعات التي تعزى غالبا إلى الخيال، والعاطفة، والوجدان، تماسكا منطقيا وتفسيرات عقلية مقبولة. فالصراع الفلسفي بين العقل واللاعقل لا يجد مبرراته إلا في الاستعمالات السيئة للعقل أو في الميل المفرط نحو اللاعقل ؛ الأمر الذي نلمسه في نزعات فكرية كالصوفية، والرومانسية، والوجودية، والسوريالية… ومن ثمة لابد من النظر إلى الإنسان على أنه وحدة متكاملة مؤلفة من العقل واللاعقل.

وكتخريج عام لهذا الدرس يتبين أن مفهوم العقل عرف، في سيرورته، استعمالات مختلفة أدت إلى أن تنطلي عليه أوصاف متنوعة تختلف باختلاف الحقب التاريخية التي مورس فيها التفكير العقلي، وبالتالي الصور التي مورس بها. هكذا انتقل مفهوم العقل حسب طبيعته ووظائفه، من عقل أنطولوجي مطلق إلى عقل إنساني وقع الاختلاف حول وظيفته وحدوده الإبستيمية وبالتالي إلى عقل يؤمن بوجود مبادئ صورية فطرية يعمل وفقها، ويحاول من خلالها أن يفسر العالم. لكن ما لبث هذا التصور الدوغمائي أن أصبح متجاوزا، وتم الإقرار على انفتاح العقل، لتصبح أزمة الفلسفة الحديثة هي ضرورة الكشف عن اللاعقل ضمن العقل والعكس.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
4. العقل واللاعقل
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
مكتبة شاملة :: منتدى سعيد :: علوم :: فلسفة-
انتقل الى: