مكتبة شاملة

هناك موضيع مختلفة وشاملة
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  اليوميةاليومية  مكتبة الصورمكتبة الصور  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  دخولدخول  

شاطر | 
 

 2. السعادة : إرضاء للعقل أم للبدن ؟

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
fouad
عضو نشيط
عضو نشيط


عدد الرسائل : 118
تاريخ التسجيل : 23/05/2007

مُساهمةموضوع: 2. السعادة : إرضاء للعقل أم للبدن ؟   الخميس مايو 31, 2007 8:04 am

إن فلاسفة الإسلام يكادون يجمعون على موقف واحد. فهذا فخر الدين الرازي يربط السعادة بحصول اللذة لدى الإنسان ؛ واللذة العقلية أشرف من اللذة الجسدية، لأن هذه الأخيرة بهيمية. فحين يكرس الإنسان حياته لتحصيلها، فإنه ينحدر إلى مصاف الحيوان. أما اللذة التي تنال بالعقل، فهي التي يسمو بها الإنسان عن الحيوان، وهي التي يتفاضل الناس فيها بعضهم عن بعض.

إن فلاسفة الإسلام يكادون يجمعون على موقف واحد. فهذا فخر الدين الرازي يربط السعادة بحصول اللذة لدى الإنسان ؛ واللذة العقلية أشرف من اللذة الجسدية، لأن هذه الأخيرة بهيمية. فحين يكرس الإنسان حياته لتحصيلها، فإنه ينحدر إلى مصاف الحيوان. أما اللذة التي تنال بالعقل، فهي التي يسمو بها الإنسان عن الحيوان، وهي التي يتفاضل الناس فيها بعضهم عن بعض. وحسب مسكويه، فإن السعادة تتجلى لدى الإنسان في بلوغ الكمال. والكمال الإنساني كمالان : كمال نظري، وكمال عملي (أخلاقي). أما الأول فهو الذي يبلغه الإنسان بالمعرفة، وذلك بالانتقال من تحصيل علوم الطبيعية إلى تحصيل علم الربوبية (الميتافزيقا). والكمال الثاني يكون عن طريق ترتيب قوى النفس وإخضاعها كلها للقوة الناطقة (العقل)، حيث تكون في أدنى المراتب القوة الشهوية. هكذا يبلغ الإنسان الكمال الخلقي الذي سيهيئه لبلوغ الكمال العقلي.

إن هذا ما يسهل علينا تمثل موقف الفارابي الذي يرى أن السعادة تتمثل في بلوغ الحكمة (الفلسفة). فالفيلسوف وحده يستطيع الاتصال بالعقل الفعال، وسعادة الفيلسوف لا تضاهيها سعادة غيره من الناس، ولا تقترن بها إلا سعادة النبي. فالسعادة هي – إذن – الاتصال بالعقل الفعال (أو واهب الصور) وبالتالي رؤية الصور، التي تفيض عنه، في صفائها قبل أن تكون مشوبة (أو أن تتحد) بمادة.

فموقف الفارابي – هذا – يقربنا من مواقف المتصوفة. فهؤلاء يعتقدون أن السعادة لا تكون إلا بالعرفان، ولا تدرك إلا بالإشراق الذي يجعل المتصوف يحيى نشوة روحية نتيجة الإلهام الذي يغمر قلبه، فيصبح به فانيا عن كل وجود، فيحس بالفناء بالذات الإلهية أو حلول الله فيه. ويمكن اعتبار رابعة العدوية من أهم من أسس لهذا النوع من التصوف، من خلال ما يعرف عندها بظاهرة "الحب الإلهي". ومن أشهر ما قالته في حب الله ما يلي :

أحبـك حبين : حب الهوى
**
وحـبا لأنك أهـــل لـذاكـا

فـأما الذي هو حب الهوى
**
فشغلي بذكرك عمن سواكا

وأمـا الـذي أنت أهــــل لــه
**
فكشفك للحجب حتى أراكـا

فـلا الحمد في ذا ولا ذاك لي
**
ولكن لك الحمد في ذا وذاكـا


وقد كانت شطحات الصوفية (البسطامي، والحلاج، والسهروردي ..إلخ) محاولات للتعبير عن هذا الإشراق الروحي. فهذا البسطامي يعبر عن الفناء بقوله : "إن الحق مرآة نفسي، لأنه هو الذي يتكلم بلساني، أما أنا فقد فنيت". أما الحب الإلهي وقد ارتقى إلى درجة "الحلول" (الحلول هو شعور المتصوف بأن الله حال فيه) فيمكن أن ندركه من قول الحلاج التالي :

أنا من أهوى ومن أهوى أنا
**
نحن روحان حللنا بدنـا

فـإذا أبصـرتني أبصرتـه
**
وإذا أبصـرته أبصـرتنا


وما ندركه – إضافة إلى ذلك – في قول الحلاج هذا، أن هناك إحساس المتصوفة بالسعادة في صورة "الحب الإلهي"، لأن ماكان يرومه المتصوف آنذاك هو حب الله الذي يجعله لا يدرك في الوجود غيره.

وقد وصل هذا التصوف ذروته مع محيي الدين ابـن عربي، الذي أسس نظرية "وحدة الوجود" التي تنتهي إلى أن الوجود واحد، حيث لا يوجد إلا الله، وما العالم إلا تجل للذات الإلهية : فلما أراد الله أن يرى نفسه في وجود آخـر يكون له كالمرآة، خلق العالم. فالعالم إذن ليس إلا صفات الله وأسماءه وقد أصبحت مجسمة.

وقد خصص ابن عربي مكانة مميزة للإنسان في نسقه الفكري حيث أن سمو الإنسان في الوجود يتمثل في اعتبارات عدة أهمها أن الإنسان هو منبع الفيض الإلهي على الموجودات لأن الإنسان –في اعتقاد ابن عربي – سمي إنسانا لأنه بمثابة إنسان العين الذي يرى الله من خلاله مخلوقاته فيرحمها. وكانت النتيجة المنطقية لهذا التصـور تبنيه لفكرة "وحدة الأديـان" التي جعلت من ابن عربي مضرب المثل في إشاعة التقارب بين الديـانات، ومن أهم من حاولوا تأسيس العلاقات بين الناس على التسامح. ومن أوضـح مـاقاله ابن عربي في هذا التوجه مايلي :

كنت قبل اليوم أنكر صاحبي
**
إذا لم يكن ديني إلى دينه دان


(.....)


لقد صار قلبي قابلا كل صورة
**
فمرعى لغزلان ودير لرهبان

وبيت لأوثـــان وكعبة طــائف
**
وألواح ثوراة ومصحف قرآن


مما تقدم يمكن القول : إن المتصوفة يعتقدون أن بلوغ أعلى درجات التصوف لا يكون إلا بالمجاهدة. ومعنى ذلك العزوف عن عرض الدنيا والسكون إلى الزهد. فهذا أحد المتصوفة يقول : "عين الجود يأتي من بذل المجهود". ويقول آخر : " لا تسكن الحكمة معدة ملئت طعاما". فالمجاهدة (الزهد) – في نظرهم – تطهير للنفس، وتهيئ لها لاستقبال التجلي الإلهي.

وبناء عليه، يمكن القول بأن المتصوفة والفلاسفة يلتقون في أن السعـادة تسمو عن اللذة البدنية والجسمية ؛ ولكنهم يختلفون، في ذات الوقت، في كيفية تحصيلهـا. ففي الـوقت الذي يعتقد فيه الفلاسفة أن السعـادة تحصل بالعقل ؛ فإن المتصوفة يرون أن السعادة تكون عن طريق إلهام باطني حدسي يسمو عن الإدراك العقلي. وتجدر الإشـارة إلى أن من نتائج هذا الاختلاف، عدم اعتراف كل اتجاه فكري بالآخر. وهذا ما يتيح لنا أن نتساءل: هل السعادة فردية أم جماعية ؟
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
2. السعادة : إرضاء للعقل أم للبدن ؟
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
مكتبة شاملة :: منتدى سعيد :: علوم :: فلسفة-
انتقل الى: